الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
43
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
وسيأتي لهذه القيود إطلاق بيان فيما سيأتي إن شاء اللَّه . وحيث تصوّرنا الموضوع - ولو على الجملة - فنقول : إنّ الإعجاز في النبوّة هو الدعامة التي تُدعم بها ، بل أساسها الذي تبتني عليه ونبراسها « 1 » الذي لا يُستضاء إليها إلّابه ، ومن اللطف الواجب الذي لا تتمّ إلّابه الحكمة ، ولا تكمل إلّا به العناية ، ولا يحصل إلّابعد حصوله الغرض . حتمٌ على الحكيم أن يؤيّد رسوله إلى عباده بعلامة وآية منه تدلّ الأعمى والبصير والعربي والأعجم والذكي والأبكم أنّ هذا المدّعي للرسالة صادقٌ في دعواه محقٌّ في مقالته ؛ لتتمّ به الحجّة وتقوم به البيّنة وتحصل به الثقة ، فيجب على ذلك المبعوث إعلام الخلق برسالته أوّلًا ، وإظهاره المعجزات ثانياً . ثمّ يجب بحكم عقولهم في وجوب دفع الضرر المحتمل الذي قد اتّفقت عليه أرباب العقول - خلا من سدّ باب حكم العقل - وهو أحد الدوافع الطبيعية والزواجر النفسانية لكلّ ذي إحساس يحافظ على سلامة كيانه ويبتعد عن مؤلماته ومهالكه . وبهذا الدافع الطبيعي والسائق الغريزي يندفع اندفاعاً قسرياً ويجد في ضميره حكماً عقلياً بلزوم النظر في معجزة مدّعي الرسالة والصادع بتلك الدلالة ، ثمّ وراء النظر تلزمه الحجّة بما يجده في وجدانه وما تسكن إليه نفسه ويحكم به عقله من صحّة تلك المعجزة وأنّها فعل ربوبي وآية إلهية وحجّة قاطعة تعجز عنها البشر وتنحطّ دونها القوى والقُدر وتنحسم بها بواعث الشكّ والارتياب وعوابث الوسوسة والاضطراب ، أم ليست هي بذاك ، فتمام الحجّة عليه إنّما هو بحسب ما يتمّ له ويقوم عنده : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها » « 2 » .
--> ( 1 ) النِبراس : المصباح ، والسنان . ( القاموس المحيط 2 : 262 ) . ( 2 ) سورة الطلاق 65 : 7 .